الشيخ محمد هادي معرفة

312

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال الزمخشري : نداء الأَرض والسماء بما ينادى به العاقل المميّز على لفظ التخصيص ، والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات ، ثمّ أمرهما بما يؤمر به أهل التميّز والعقل ، من الدلالة على الاقتدار العظيم ، وأنّ السماء والأَرض وما بينهما من الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء ، غير ممتنعة عليه . كأنّها عقلاء مميّزون ، قد عرفوا عظمته وجلالته وقدرته ، وتبيّنوا تحتّم طاعته ، فهم يهابونه ويفزعون من التوقّف دون الامتثال له ، والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث ، فكما يرد عليهم أمره ، كان المأمور به مفعولًا ، لاحبس فيه ولا إبطاء . ومجئ إخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء ، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلّا بفعل فاعل قادر وتكوين قاهر ، وأنّ فاعلها فاعل واحد لايُشارك في أفعاله ، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره : ياأَرض ابلعي ويا سماء أقلعي . ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره ، ولا أن تستوي السفينة على متن الجوديّ وتستقرّ عليه إلّا بتسويته وإقراره . ولمّا ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ، ورقّصوا لها رؤوسهم ، لالتجانس الكلمتين « ابْلَعِي » و « أَقْلِعِي » . وذلك وإن كان من محاسن الكلام ، لكنّه كغير الملتفت إليه بإزاء سائر المحاسن التي هي اللبّ وما عداها قشور . « 1 » الاستعارة أفضل أنواع المجاز قال ابن رشيق : الاستعارة هي أفضل أنواع المجاز وأوّل أبواب البديع ، وليس في حِلى الشعر أعجب منها ، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها ونزلت موضعها . « 2 » وهي من التوسّع في الكلام والتفنّن فيه ، مفيضا عليه ملامح الإدلال والاستدلال ، بما فيه من التشبيه والتخييل وروعة التمثيل . وفي الاستعارة نوع من المبالغة القريبة فيها أناقة ولطف ، يقرّب المعنى وتوضحه بما

--> ( 1 ) - الكشّاف ، ج 2 ، ص 397 - 398 . ( 2 ) - العمدة ، ج 1 ، ص 268 ، باب 37 .